العيني
141
عمدة القاري
للشرط ، وأحد ، مرفوع بفعل محذوف تقديره : فإن ترخص أحد ، ويفسره قوله : ترخص ، إنما حذف لئلا يجتمع المفسر والمفسر ، وذلك كما في قوله تعالى : * ( وإن أحد من المشركين استجارك ) * ( التوبة : 6 ) تقديره : وإن استجارك أحد من المشركين . قوله : ( لقتال رسول الله عليه الصلاة والسلام ) ، اللام فيه للتعليل . قوله : ( فقولوا ) جواب الشرط ، فلذلك دخلت فيه الفاء . قوله : ( قد أذن ) خبر : إن . وقوله : ( لم يأذن لكم ) عطف عليه . قوله : ( وإنما أذن لي ) ، روي بصيغة المجهول والمعلوم . قوله : ( ساعة ) ، نصب على الظرف . قوله : ( حرمتها ) بالرفع فاعل : عادت . قوله : ( اليوم ) ، نصب على الظرف . قوله : ( وليبلغ ) يجوز بكسر اللام وتسكينها ، و : الشاهد ، بالرفع فاعله ، و : الغائب ، بالنصب مفعوله . قوله : ( يا باشريح ) أصله يا أبا شريح حذفت الهمزة للتخفيف . قوله : ( لا تعيذ ) جملة في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف . أي : مكة لا تعيذ . قوله : ( عاصياً ) مفعول : لا تعيذ ، ويروى بالياء آخر الحروف ، أي : الحرم لا يعيذ عاصياً . قوله : ( ولا فاراً بدم ) عطف على : عاصياً ، والباء في : بدم ، للمصاحبة ، أي : مصاحبا بدم وملتسباً به . قوله : ( ولا فار بخربة ) ، عطف على ما قبله ، والباء فيه للسببية . بيان المعاني : قوله : ( لعمرو بن سعيد ) ، بفتح العين : وهو عمرو بن سعيد بن العاص ابن أمية القرشي الأموي ، يعرف بالأشدق ، ليست له صحبة ولا كان من التابعين باحسان . ووالده مختلف في صحبته . وقال ابن الأثير : يكنى أبا أمية ، وكان أمير المدينة ، وغزا ابن الزبير ، رضي الله عنهما ، ثم قتله عبد الملك بن مروان بعد أن آمنه . ويقال : إنه الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عن عمر وعثمان ، روى عنه بنوه وأمية وسعيد . قلت : كان قتله سنة سبعين من الهجرة . قوله : ( وهو يبعث البعوث إلى مكة ) يعني : كان عمرو بن سعيد يبعث الجند إلى مكة لقتال ابن الزبير ، وذلك أنه لما توفي معاوية توجه يزيد إلى عبد اللَّه بن الزبير يستدعي منه بيعته ، فخرج إلى مكة ممتنعاً من بيعته ، فعضب يزيد وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم بأخذ بيعة عبد اللَّه ، فبايعه وأرسل إلى يزيد بيعته ، فقال : لا أقبل حتى يؤتى به في وثاق ، فأتى ابن الزبير ، وقال : أنا عائذ بالبيت ، فأبى يزيد ، وكتب إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إليه جنداً ، فبعث هذه البعوث . قال ابن بطال : وابن الزبير ، رضي الله عنهما ، عند علماء السنة أولى بالخلافة من يزيد وعبد الملك لأنه بويع لابن الزبير قبل هؤلاء ، وهو صاحب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قال مالك : ابن الزبير أولى من عبد الملك . قوله : ( من يوم الفتح ) يعني فتح مكة ، وكان في عشرين من رمضان في السنة الثامنة من الهجرة . قوله : ( سمعته أذناي . . . ) إلى آخره ، إشارة منه إلى مبالغته في حفظه من جميع الوجوه ، ففي قوله : ( سمعته أذناي ) نفي أن يكون سمعه من غيره ، كما جاء في حديث النعمان بن بشير ، وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه . وقوله : ( ووعاه قلبي ) تحقيق لفهمه والتثبت في تعقل معناه . وقوله : ( وأبصرته عيناي ) زيادة في تحقق السماع والفهم عنه بالقرب منه والرؤية ، وأن سماعه منه ليس اعتماداً على الصوت دون حجاب ، بل الرؤية والمشاهدة ، والهاء في قوله : تكلم به ، عائدة على قوله : أحدثك . قوله : ( حرمها الله ) إما أن يراد به مطلق التحريم ، فيتناول كل محرماتها ، وإما أن يراد به ما ذكر بعده من سفك الدم وعضد الشجر . ويقال : معناه تفهيم المخاطبين بعظيم قدر مكة بتحريم الله إياها ، ونفي ما تعتقده الجاهلية وغيرهم من أنهم حرموا وحللوا ، كما حرموا أشياء من قبل أنفسهم ، وأكد ذلك المعنى بقوله : ( ولم يحرمها الناس ) ، أي : فتحريمها ابتداءً أي من غير سبب يعزى لأحد لا مدخل فيه لا لنبي ولا لعالم ، ثم بيّن التحريم بقوله : ( فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما . . . ) إلى آخره ، لأن من آمن بالله لزمته طاعته ، ومن آمن بالله واليوم الآخر لزمه القيام بما وجب عليه ، واجتناب ما نهى عنه ، تخلصاً خوف الحساب عليه ، ويقال : معنى : ولم يحرمها الناس : ليس من محرمات الناس ، حتى لا يعتد به ، بل هي من محرمات الله . أو معناه : إن تحريمها بوحي الله تعالى ، لا أنه اصطلح الناس على تحريمها بغير إذن الله تعالى . قوله : ( فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) معناه : إن قال أحد بأن ترك القتال عزيمة ، والقتال رخصة يتعاطى عند الحاجة مستدلاً بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، فقولوا له : ليس الأمر كذلك ، فإن الله أذن لرسول صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لكم ، وإنما أذن له فيها ساعة من نهار ، يعني في إراقة دم كان مباحاً خارج الحرم ، والحرمة كانت للحرم في إراقة دم محرم الإراقة ، فكان الحرم في حقه صلى الله عليه وسلم وفي تلك الساعة بمنزلة الحل ، ثم عادت حرمتها كما كانت ، وإنما قال : فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقال : لقتالي بياناً لاستظهار الترخص ، فإن الرسول المبلغ للشرائع ، إذا فعل ذلك كان دليلاً على جواز الترخص . وإنما التفت ثانياً بقوله : ( وإنما أذن لي ) ولم يقل : أذن له ، بياناً لاختصاصه بذلك بالإضافة إلى ضميره كما في قول امرئ القيس :